صفي الرحمان مباركفوري
192
الرحيق المختوم
ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك ، يمنعك اللّه بهم ، يناصحونك ، ويجاهدون معك . فأثنى عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خيرا ، ودعا له بخير وبنى المسلمون عريشا على تل مرتفع يقع في الشمال الشرقي لميدان القتال ، ويشرف على ساحة المعركة . كما تم انتخاب فرقة من شباب الأنصار بقيادة سعد بن معاذ ، يحرسون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حول مقر قيادته . تعبئة الجيش وقضاء الليل ثم عبأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جيشه « 1 » ، ومشى في موضع المعركة ، وجعل يشير بيده : هذا مصرع فلان غدا إن شاء اللّه ، وهذا مصرع فلان غدا إن شاء اللّه « 2 » . ثم بات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يصلي إلى جذع شجرة هنالك ، وبات المسلمون ليلهم هادئ الأنفاس منير الآفاق ، غمرت الثقة قلوبهم ، وأخذوا من الراحة قسطهم ، يأملون أن يروا بشائر ربهم بعيونهم صباحا إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ [ الأنفال : 11 ] . كانت هذه الليلة ليلة الجمعة ، السابع عشر من رمضان في السنة الثانية من الهجرة ، وكان خروجه في 8 أو 12 من نفس الشهر . الجيش المكي في عرصة القتال ووقوع الانشقاق فيه أما قريش ، فقضت ليلتها هذه في معسكرها بالعدوة القصوى ، ولما أصبحت أقبلت في كتائبها ، ونزلت من الكثيب إلى وادي بدر ، وأقبل نفر منهم إلى حوض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : دعوهم ، فما شرب أحد منهم يومئذ إلا قتل ، سوى حكيم بن حزام ، فإنه لم يقتل ، وأسلم بعد ذلك ، وحسن إسلامه ، وكان إذا اجتهد في اليمين قال : لا والذي نجاني من يوم بدر ، فلما اطمأنت قريش بعث عمير بن وهب الجمحي ، للتعرف على مدى قوة جيش المدينة ، فدار عمير بفرسه حول العسكر ، ثم رجع إليهم فقال : ثلاثمائة رجل ، يزيدون قليلا أو ينقصون ، ولكن أمهلوني حتى أنظر أللقوم كمين أو مدد ؟ فضرب في الوادي حتى أبعد ، فلم يرد شيئا ، فرجع إليهم فقال : ما وجدت شيئا ، ولكني قد رأيت يا معشر قريش
--> ( 1 ) انظر جامع الترمذي أبواب الجهاد ، باب ما جاء في الصف والتعبئة 1 / 201 . ( 2 ) رواه مسلم عن أنس ، انظر مشكاة المصابيح 2 / 543 .